الحلبي
90
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
قال : وقد سمعت من يقول إن في الفيلة صنفا منها يبرك كما يبرك الجمل ، وعند ذلك أرسل اللّه سبحانه وتعالى عليهم الطير الأبابيل ، خرجت من البحر أمثال الخطاطيف . ويقال إن حمام الحرم من نسل تلك الطير فأهلكتهم . وقد يقال إن هذا اشتباه ، لأن الذي قيل إنه من نسل الأبابيل إنما هو شيء يشبه الزرازير يكون بباب إبراهيم من الحرم . وإلا فسيأتي أن حمام الحرم من نسل الحمام الذي عشش على فم الغار على ما سيأتي فيه . وفي حياة الحيوان أن الطير الأبابيل تعشش وتفرخ بين السماء والأرض . ولما هلك صاحب الفيل وقومه عزت قريش وهابتهم الناس كلهم ، وقالوا : أهل اللّه لأن اللّه معهم . وفي لفظ : لأن اللّه سبحانه وتعالى قاتل عنهم ، وكفاهم مؤونة عدوهم الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة ، وغنموا أموال أصحاب الفيل : أي ومن حينئذ مزقت الحبشة كل ممزق ، وخرب ما حول تلك الكنيسة التي بناها أبرهة ، فلم يعمرها أحد ، وكثرت حولها السباع والحيات ومردة الجن ، وكان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن ، واستمرت كذلك إلى زمن السفاح الذي هو أول خلفاء بني العباس ، فذكر له أمرها ، فبعث إليها عامله على اليمن فخرّ بها وأخذ خشبها المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير من الذهب ، فحصل له منها مال عظيم ، وحينئذ عفا رسمها وانقطع خبرها ، واندرست آثارها . وقد كان عبد المطلب أمر قريشا أن تخرج من مكة وتكون في رؤوس الجبال خوفا عليهم من المعرة ، وخرج هو وإياهم إلى ذلك بعد أن أخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش ، يدعون اللّه سبحانه وتعالى ، ويستنصرونه على أبرهة وجنده ، وقال : لا هم إن العبد يح * مى رحله فامنع حلالك لا يغلبنّ صليبهم * ومحالهم غدوا محالك أي فإنهم كانوا نصارى . ولا هم : أصله اللهم ، فإن العرب تحذف الألف واللام ، وتكتفي بما يبقى ، وكذلك تقول : لاه أبوك ، تريد للّه أبوك ، والحلال بكسر الحاء المهملة : جمع حلة ، وهي البيوت المجتمعة . والمحال بكسر الميم : القوة والشدة ، والغدو بالغين المعجمة أصله الغد : وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك الذي أنت فيه . ويقال إن عبد المطلب جمع قومه وعقد راية وعسكر بمنى . وجمع ابن ظفر بينه وبين ما تقدم من أنه خرج مع قومه إلى رؤوس الجبال ، بأنه يحتمل أنه أمر أن تكون الذرية في رؤوس الجبال : أي وخرج معه تأنيسا لهم ثم رجع وجمع إليه المقاتلة : أي ويؤيد ذلك قول المواهب : ثم إن أبرهة أمر رجلا من